المجتمع المدني‏..‏ وتعديل قانون الجمعيات

اذهب الى الأسفل

صوت لهذا الموضوع

0% 0% 
[ 0 ]
0% 0% 
[ 0 ]
50% 50% 
[ 1 ]
50% 50% 
[ 1 ]
 
مجموع عدد الأصوات : 2

المجتمع المدني‏..‏ وتعديل قانون الجمعيات

مُساهمة  Admin في الثلاثاء ديسمبر 04, 2007 2:48 pm

بقلم: د. وحيد عبد المجيد
مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

يستطيع القلقون من التعديل المتوقع إدخاله في قانون الجمعيات‏84‏ لسنة‏2002‏ أن يقدموا دفوعا قوية لإثبات أهمية المجتمع المدني وتأكيد ضرورة منحه فضاء أوسع‏.‏ ولكن ليس في إمكانهم أن يقيموا الحجة علي وجود هذا المجتمع المدني‏,‏ الذي ينبغي علينا تحريره وليس تقييده‏,‏ فما أسهل الدفاع عن حياة المجتمع المدني والهجوم علي من يريدون خنقه‏.‏ ولكن ما أصعب إثبات أنه حي بالفعل في بيئة اجتماعية ثقافية غير مواتية‏.‏

وهذا هو ما يعزف أنصار المجتمع المدني عن الاهتمام به‏,‏ وينصرفون عن مناقشته‏,‏ فيتوه بيننا السؤال الذي كان حضوره مهما منذ سنوات طويلة‏,‏ وهو‏:‏ هل يوجد في مصر الآن مجتمع مدني بالمعني الذي يعرفه العالم؟

وقد يكون السؤال صادما‏,‏ ولكنه أكثر من ضروري لكل من يريد معالجة قضية المجتمع المدني بجدية ومسئولية‏.‏

ولكي تكون هذه المعالجة جادة بالفعل‏,‏ يصح أن ننأي بها عن فيضان المفاهيم والتعريفات الشائع منها وغير المتداول‏.‏ فالمجتمع المدني‏,‏ الذي يبدأ من حيث تنتهي الأسرة أو العائلة وينتهي عند حافة مؤسسات الدولة الرسمية‏,‏ يعرف بمجاله الواسع علي هذا النحو أكثر مما يستدل عليه بشكل مفهومي‏.‏ فهو يتسع لمختلف أنواع الروابط والعلاقات والنشاطات التطوعية في هذا المجال الواسع‏.‏

وقد عرفت مصر المجتمع المدني علي هذا النحو منذ مطلع القرن الماضي‏,‏ إما عبر تحديث بعض النشاطات الأهلية وفصلها وتمييزها عن مكوناتها العائلية‏,‏ أو من خلال استحداث نشاطات وأعمال جديدة‏.‏

وكانت القاهرة‏,‏ التي شهدت توسعا كبيرا في مجالها الحضري منذ عهد الخديو اسماعيل‏,‏ هي مركز المجتمع المدني الناشيء بما حمله من سمات مختلفة عن النشاطات الاهلية الأقرب بطابعها إلي نمط الحياة في الريف وما يقترن به من ثقافة تميز المجتمع الزراعي عن مجتمع المدينة‏.‏

وكان هذا التطور‏,‏ الذي بدا في مستهله مبشرا بأن يتوسع‏,‏ مرهونا بتواصل التحديث الذي بدأ في القاهرة وبعض المراكز الحضرية في المحافظات‏,‏ وبالتالي انتشار الثقافة التي لا ينمو مجتمع مدني في غيابتها أو في حالة ضعفها‏.‏

غير أن التغير الاجتماعي الذي حدث في مصر علي مدي نصف القرن الأخير لم يمض في هذا الاتجاه‏.‏ فقد واجه التحديث الاجتماعي مشكلات متزايدة خلقت عائقا جوهريا أمام المجتمع المدني‏.‏ وارتبطت أهم هذه المشكلات بتفشي الهجرة من الريف إلي المدينة بسبب سياسات اقتصادية انحازت للصناعة علي حساب الزراعة‏,‏ فاعتصرت الريف وأفقرت أهله لأنها استهدفت تحقيق التراكم الرأسمالي اللازم للتصنيع علي حسابهم‏.‏ فلم تعد الزراعة تدر رزقا‏,‏ ولا بقي الريف حاضنا لأهله الذين نزحوا منه بالملايين الي القاهرة ومراكز حضرية أخري‏,‏ حيث اقترن الترييف بتهميش اجتماعي ــ اقتصادي متزايد‏..‏

فكان هذا‏,‏ ومازال‏,‏ هو العامل الأشد تأثيرا علي المجتمع المدني‏,‏ والذي لم يحظ باهتمام كاف بسبب شيوع الاعتقاد في أن محنة هذا المجتمع تعود إما إلي فرض قيود قانونية وإدارية عليه بدءا من القانون‏32,‏ أو إلي تنامي الموجة الأصولية الدينية والنزعات التقليدية المحافظة في المجتمع‏.‏

فما كان لأي قيد‏,‏ مهما بلغ‏,‏ أن يجعل الأرض تميد من تحت المجتمع المدني إلا إذا فقد هذا المجتمع المقومات الأساسية التي لا يحيا بدونها‏,‏ وفي مقدمتها الثقافة الحضرية الحديثة‏.‏

وقد انحسرت هذه الثقافة نتيجة ترييف القاهرة والمراكز الحضرية أكثر مما تراجعت بسبب الموجة الاصولية والنزعة المحافظة‏,‏ بل يجوز القول إن هذه النزعة وتلك الموجة ترتبطان بعملية الترييف المتسارع أكثر من أي شيء أخر‏.‏

وهكذا راح المجتمع المدني ضحية هجرة لا تتوقف من الريف الي المدينة التي لم تعد بيئتها‏,‏ والحال هكذا‏,‏ صالحة لهذا النوع من التفاعلات الاجتماعية التي تنتج ما يصطلح علي تسميته مجتمعا مدنيا‏,‏ فلا يمكن لهذا المجتمع أن يحيا وينمو ويتوسع في ظل ثقافة ريفية حملتها الهجرة من القرية‏.‏

ولا يعني ذلك أفضلية الثقافة الحضرية علي الثقافة الريفية بأي حال‏.‏ فلكل منهما فضله ودوره الإيجابي في سياقه الطبيعي‏.‏ أما إذا أصبح السياق غير طبيعي مع انتقال الثقافة الريفية إلي الحضر‏,‏ لابد أن يحدث خلل اجتماعي ــ ثقافي يزداد بمقدار الهجرة إلي المدن‏.‏ وقد بلغت هذه الهجرة مبلغا لا يمكن أن يتحمله أي مركز حضري ويبقي حضريا في الوقت نفسه‏.‏

ففي الثقافة الريفية قيم وعادات وأنماط حياة تتعارض مع بعض أهم مستلزمات المجتمع المدني‏,‏ مثل محورية دور العائلة‏,‏ والتراتبية الاجتماعية التي تتسم بالصرامة في بعض مناطق الريف‏,‏ والتمييز بين الرجل والمرأة بالرغم من خروج بعض النساء للعمل في الحقل‏.‏ كما أن المجتمع الريفي‏,‏ الذي يعرف أفراده بعضهم البعض في القرية‏,‏ لا يحتاج بطبيعة الحال الي المؤسسات الاجتماعية الوسيطة التي تمثل روح المجتمع المدني‏,‏ وخصوصا في ظل شيوع نوع من التكامل الاجتماعي الطبيعي في القرية‏.‏ وقد ظلت هذه الثقافة قائمة بالرغم من التوسع الذي حدث في معظم القري المصرية نتيجة الزيادة السكانية‏.‏

ولكل ذلك كان ضروريا أن يكون انتقال هذه الثقافة الي الحضر علي حساب المجتمع المدني‏.‏ وهذا فضلا عن أن ما يحمله ريفيون بؤساء مهاجرون من ثقافتهم هو بعض أسوأ ما فيها متداخلا مع السخط الذي يملأ من يمتلكه الشعور بأنه فائض عن حاجة المجتمع هائم علي وجهه لا يعرف له طريقا‏.‏

والنتيجة هي أننا نتحدث الآن عن مجتمع مدني مجازي أكثر مما نراه في الواقع رأي العين‏.‏ فمن المهم أن يكون القانون ميسرا وليس معسرا‏.‏ ولكن معضلة البيئة الاجتماعية ــ الثقافية للمجتمع المدني لا تقل أهمية‏,‏ إن لم تزد‏.‏

وإذا كان من الضروري إيجاد حل معقول لقضية تمويل الجمعيات بعيدا عن المصادر الأجنبية لهذا التمويل‏,‏ فلا يكفي هذا لخلق مجتمع مدني في غياب ثقافة العمل التطوعي‏,‏ وشيوع ثقافة‏(‏ اخطف‏..‏ واجري‏)‏ في كثير من الجمعيات التي تعتمد علي تمويل أجنبي بصفة خاصة‏.‏

إن معضلة المجتمع المدني في بلادنا أكبر بكثير جدا من القانون المراد تعديله‏.‏ ومعالجتها جديا تبدأ من السؤال عما إذا كان لدينا مجتمع مدني حقا‏.‏
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 17/10/2007
العمر : 49

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://education.lamuntada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى