التفكير في مستقبل الاقتصاد المصري

اذهب الى الأسفل

التفكير في مستقبل الاقتصاد المصري

مُساهمة  Admin في الثلاثاء ديسمبر 04, 2007 2:34 pm

التفكير في مستقبل الاقتصاد المصري
بقلم : د‏.‏ طه عبد العليم
أحد مقالات مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

يبدو المهمومون بالتفكير في المستقبل إما مصابين بقصر النظر أو مصابين بطول النظر‏,‏ ببساطة لأنهم يبدون أحيانا كمن يعاني من داء قصر النظر‏,‏ حيث تضعف رؤيتهم للبعيد وإن رأوا القريب بوضوح‏!‏ وعلي العكس فإنهم يبدون أحيانا أخري كمن يعاني من داء طول النظر‏,‏ حيث تضعف رؤيتهم شللقريب وإن رأوا البعيد بوضوح‏!‏ وإذا كان ذلك كذلك‏,‏ أتصور أنه من المفيد تأمل أمنية مفكر روسي بارز للساعين إلي المستقبل بأن يصابوا بالداءين معا‏!‏ أي بقصر وطول النظر‏,‏ ليروا بوضوح ما تحت أقدامهم وأبصارهم علي الطريق‏,‏ الحافل بالمخاطر والفرص‏,‏ الممتد نحو المستقبل‏,‏ دون أن تغيب عن ناظريهم رؤية بشري المستقبل البعيد المنشود‏!‏ وأعتقد أن هذا ما ينبغي أن يتحلي به المنشغلون‏,‏ فكرا وعملا‏,‏ ببناء مستقبل الاقتصاد المصري‏.‏

ولا جدال أن الاقتصاد المصري لا يخلو قطعا من الإنجازات المبشرة لكنه حافل أيضا بالمشكلات المؤلمة‏,‏ والأهم أنه يملك من القدرات‏,‏ الموظفة والمحتملة‏,‏ ما يخلق ثقة‏,‏ في محلها‏,‏ بمستقبل واعد أمامه‏,‏ ويبرز حديث الإنجازات ـ وبحق ـ ما تحقق من تطوير للبنية الأساسية للكهرباء والطرق والموانيء والاتصالات والمعلومات‏,‏ وما تأسس من مدن صناعية جديدة وعديدة بجهود متضافرة من الدولة والرأسمالية‏,‏ وما بدأ من خروج واعد من الوادي الضيق إلي ربوع مصر المترامية طولا وعرضا‏,‏ وما أخذ يتدفق من استثمارات أجنبية مباشرة وغير مباشرة علي نطاق غير مسبوق كما ونوعا‏,‏ وما تحقق من ارتفاع في معدل النمو الاقتصادي بعد سنوات من التباطؤ والركود‏,‏ وما يظهر من تحسن في الصحة العامة تجسد في ارتفاع كبير للعمر المتوقع عند الميلاد‏,‏ وما أنفق علي التعليم العام ليستوعب ملايين غفيرة ومتزايدة من التلاميذ والطلاب‏..‏ الخ‏.‏ أما حديث المشكلات‏,‏ فإنه يورد ـ وبحق أيضا ـ عدم التناسب الظاهر بين التضخم السكاني والإنجاز التنموي مما انعكس سلبا علي نوعية الحياة محليا وتراجع المكانة عالميا‏,‏ وعدم كفاءة تخصيص الموارد العامة رغم ندرتها مما أثر سلبا علي نوعية وإتاحة الخدمات والسلع العامة‏,‏ وإساءة تخصيص الموارد الخاصة رغم وفرتها مما أثر سلبا علي نوعية الاستثمارات وخاصة بتعاظم الاستثمار العقاري الترفي‏,‏ وعدم مساواة متزايدة في توزيع الثروة والدخل‏,‏ اجتماعيا وإقليميا‏,‏ ولدت حركات احتجاجية امتدت من المصانع لتشمل القري‏,‏ وضعف مؤشرات التنمية البشرية وخاصة التعليم والصحة بما يمثل هدرا لمزية مصر التنافسية الأهم‏..‏ الخ‏.‏

وإذا كان الإنسان المصري قد مثل أهم القدرات الانتاجية المصرية‏,‏ في الماضي‏,‏ ويمثلها الحاضر‏,‏ فإن أنماط التفكير المعطوبة تصادر المستقبل حين تبخس هذا الإنسان حقه‏,‏ وقد أشير الي القول الغاضب‏'‏ ياشعب ثور‏..‏ داهية تسمك‏',‏ من جانب الثوريين نافدي الصبر من القدرة الهائلة للشعب المصري علي تحمل المظالم وكأنه فريد في هذا دون غيره من الشعوب‏,‏ وكأنه لم تكن ثوراته وانتفاضاته منذ الثورة الاجتماعية الأولي ومرورا بانتفاضته في العهد العباسي وحتي ثوارته الثلاث خلال القرنين الماضيين‏!‏ وقد أقارن بين روائع نجيب محفوظ وبينها ثلاثيته‏,‏ وما حفلت به من صور راقية لمآثر كفاح الشعب المصري ضد الإستعمار من أجل الجلاء وضد القصر من أجل الدستور وضد أذناب وحلفاء الطرفين‏!‏ وبين قصة نيران صديقة لعلاء الأسواني وما حفلت به من سب وشتم وهجاء المصريين مقابل رد خجول علي لسان أوروبية مفتونة بمصر لا يساند تهافته جنون البطل النكرة الجهول‏!‏ وقد أشير إلي الكاتب الصحفي الهجاء الشتام‏,‏ الذي تحول إلي لعن الأمة‏,‏ مستدعيا ترسانة نقد مرير ساقه جمال حمدان في سياق أحكام ذاتية مطلقة عن المصريين لا تتسق مع إفتتانه بترويضهم للنيل وصنعهم الحضارة مستثمرين عبقرية المكان‏!‏

وقد أقول بايجاز إن شعب مصر قادر علي صنع المستقبل في الاقتصاد وغيره لأنه كان علي امتداد تاريخه صانعا للحضارة وخلاقا في الري ومبدعا في الزراعة ومقبلا علي الحياة‏,‏ بل ويوفر قوة دفع لهذا كونه نابذا للعنف ومستمسكا بالسلام الاجتماعي‏!‏ والشعب المصري الآن‏,‏ وإن أخذ يعبر عن نفاد صبر من المشاكل الحياتية‏,‏ يتطلع إلي الإصلاح من أعلي ويخشي الإنفلات من أسفل لأنه ميال للمحافظة والإعتدال‏!‏ ومن منظور النظام الاقتصادي والإجتماعي لا يري المحلل الموضوعي ما يوصف بالوضع الثوري‏,‏ أو شروط الإنقلاب الثوري علي النظام القائم‏.‏ بإختصار‏,‏ لأن النظام القائم لا يزال قادرا علي إدارة الاقتصاد والمجتمع بالطريقة‏'‏ القديمة‏',‏ ولأن الشعب المصري لا يزال قادرا علي التكيف مع الوضع القائم‏,‏ وأخيرا‏,‏ لأنه لا يوجد من يطرح نظاما اقتصاديا اجتماعيا بديلا علي نحو قادر علي كسب عقول وقلوب المصريين‏!‏ وإذا سلمنا بأن الخطاب التحريضي الإنقلابي لا يجد آذانا صاغية‏,‏ فإن ضرورة الإصلاح والرغبة فيه ظاهرة‏,‏ للتغلب علي المشكلات الملتهبة ومضاعفة الإنجازات الممكنة‏.‏

ويبقي السؤال‏:.‏ أي غايات ينبغي أن نستهدف وأي طريق يتوجب أن نسلك حتي نحقق الإصلاح الاقتصادي والإجتماعي المنشود؟ لقد حرص الرئيس مبارك وأكدت التعديلات الدستورية أن الحرص‏'‏ علي ألا يفرض الدستور علي المجتمع نظاما اقتصاديا يمكن أن يتجاوزه الزمن بما يفرزه من تطورات ومستجدات‏'.‏ وهذا يفتح الباب واسعا للحوار القومي حول أي نظام إقتصادي نريد؟‏...‏ وقد أسارع فأقول منذ البداية‏,‏ إنه قد آن الأوان لإصلاح يستهدف تعظيم الكفاءة الاقتصادية وضمان عدالة التوزيع في آن واحد‏,‏ وإن اقتصاد السوق الإجتماعي هو سبيل مصر لتحقيق هذه الغايات‏.‏ وبكلمات أوضح‏,‏ فإن الدعوة إلي‏'‏ الاقتصاد الحر‏'‏ أو‏'‏ دعه يعمل‏'‏ أو‏'‏ السوق الحرة‏'‏ أو‏'‏ المشروع الحر‏',‏ وهي مترادفات علي أية حال‏,‏ لا تقدم بديلا قابلا للحياة ومحققا للمنشود‏,‏ حيث لا يخفي تهافت هذه الدعوة في ضوء إخفاق السوق‏,‏ وهو الإخفاق الذي يتجسد ليس فقط في إختلال توزيع الثروة‏,‏ وإنما في عدم كفاءة تخصيص الموارد‏,‏ أي المبرر الأهم لهذه الدعوة‏,‏ وهو الذي أملي ضرورة تدخل الدولة في إقتصاد السوق‏,‏ كما برهنت الخبرة العملية والنظرية الاقتصادية‏.‏ وقد أنوه هنا بما ورد في هذا الصدد في المقال المهم الذي نشره بالأهرام يوم الخميس الماضي للصديق المستثمر والمفكر شريف دلاور‏,‏ كما أنوه إلي مبادرات الوزير رشيد محمد رشيد لتنظيم السوق المصرية مستندا إلي خبرة الممارسة وثقافة الدراسة وتفكير ظاهر في المصلحة الوطنية‏.‏

ولا أتردد أيضا في القول أن تدخل الدولة في الإقتصاد‏,‏ رغم حتميته‏,‏ بحاجة الي المراجعة من حيث مداه ونوعه‏,‏ حيث يبدو إخفاقها أشد من إخفاق السوق ضراوة‏,‏ سواء من زاوية عدم كفاءة تخصيص الموارد أو من منظور عدالة توزيع الثروة‏.‏ وأزعم أن عملية المراجعة الجارية لدور الدولة والتراكم الراهن للرأسمال الخاص لا نتبين منها إلي أي نظام إقتصادي تقود؟ فالمصريون إزاء برنامج الخصخصة لا يعرفون هل تباع المشروعات والمؤسسات لأنها خاسرة أم لكونها صارت رابحة بعد تحمل الدولة تكاليف إعادة الهيكلة خاصة المالية والبشرية؟ وهل تباع لتمويل عجز الموازنة عن تمويل مشروعات الخدمات الأساسية المطلوبة أم لتحسين مناخ الإستثمار بافساح المجال للاستثمار الخاص‏,‏ وهل تباع المشروعات العامة لإضعاف شوكة بيروقراطية الدولة لصالح جماعات الأعمال في مجري صراع علي السلطة والثروة أم لتحقيق التوازن بين مراعاة المصلحة العامة للدولة المتدخلة وتشجيع المبادرة الفردية للمشروع الخاص؟ وإزاء تخصيص الموارد القومية لا يدري المصريون هل تقدم القروض من البنوك العامة والخاصة بما يوظف مدخرات الأمة أفضل توظيف وفيما ينفعها‏,‏ وهل تمليك أراضي الدولة بأسلوب التخصيص أفضل أم البيع بالمزاد؟ وما هي أولويات الاستثمار العام المباشر وهل تعظم الكفاءة وتسترشد بالعدالة؟ وكيف تصنع السياسات والتشريعات الإقتصادية وهل تعبر عن المصلحة العامة أم تخضع لأهواء جماعات المصالح؟

وللحديث بقية عن الخيارات البديلة للنظام الاقتصادي في مصر‏,‏ وتحديدا عن أي إقتصاد سوق يحقق غايات الكفاءة والعدالة في آن واحد‏.‏
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 17/10/2007
العمر : 49

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://education.lamuntada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى